محمد ابو زهره
1015
خاتم النبيين ( ص )
وقد انتقلوا بعد ذلك إلى منزل من استضافهم وهو رويفع بن ثابت البلوي ، فكان الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم يأتي هذا المنزل يحمل تمرا ، ويقول : « استعن بهذا التمر » وكانوا يأكلون منه ومن غيره . وإن كلام النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مع هذا الوفد اشتمل على أدب كريم من آداب الاسلام ، وعلى حكم شرعي ، يتعلق باللقطة ، ومن الحق علينا أن نشير إلى أمرين . لقد قال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فيما يروى عنه « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » وإن من مكارم الأخلاق الضيافة ، وإنها في ذاتها ترابط إنساني ، وتعاون ومحبة بين الناس ، وهي ضرورة اجتماعية في البوادي وما يشبه البوادي ، فالرجل يسير في البادية قد ينبتّ به الطريق ، فلا يجد مأوى يأوى إليه ، إلا أن تكون ضيافة كريم ، ولذلك تكون فضيلة الضيافة ضرورة إنسانية في البادية ، ثم تخف ضرورتها كلما ابتعدت عن البادية ، فهي في القرى شبه ضرورة ، وهي في الحواضر حيث تتوافر الحاجات من طعام ومنام تكون معروفا ، أو مروءة . وهي تأخذ الحكم الشرعي على حسب هذه الأحوال ، فهي واجبة إذا كان الإنسان لا يجد له مأوى ، وقريب من الواجب إذا كان لا يجد المأوى إلا بعسر ، وهي معروف يوجد ألفة ومحبة إذا كان يجد . هذا ما يكون شرعا بالنسبة للمضيف ، أما الضيف فإن عليه ألا يطيل الإقامة ، بحيث يحرج رب البيت بل إنه لا يقبل المبيت إذا كان فيه حرج لرب البيت ، ولم تكن ثمة ضرورة ملجئة ، ولا حاجة تدفعه . وفي حديث اتفقت عليه الصحاح أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم جاره ويعطه جائزة ، قالوا وما جائزة يا رسول اللّه ؟ قال يوم وليلة ، والضيافة ثلاثة أيام ، فما كان وراء ذلك فهو صدقة ، ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يحرجه » . وفي خبر هذا الوفد أنه سأله صلى اللّه تعالى عليه وسلم أحدهم عن الضالة من الغنم ، وعن البعير ، فقال عن البعير مالك وله ، دعه حتى يجده صاحبه ، فلا يأخذه ، لأنه إذا غاب عن صاحبه طلبه ، وبحث عنه ، ولأن البعير يقوم بذاته أمدا طويلا ، ولأنه إن أخذه غيبة عن صاحبه ، فلا يهتدى إليه ، إذ يطلبه . وعن الشاة الضالة التي يجدها الرجل في الصحراء ، حيث لا مرعى وحيث لا مأوي ، قال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : هي لك أو لأخيك أو للذئب ، وهذا النص يفيد أنها حلال له ، وهو نص فيه حكمته . ذلك أن الشاة وجدت في الصحراء ، حيث يصعب التعريف ، وفرض أن لها صاحبها يمكن أن يعثر عليها بالتعريف بعيد ، لأنه لا يوجد من يعرف بها ، إذ هي فلاة ، وفرض أنها تخلفت من قافلة مضت هو الأقرب .